أحمد م. ياسين

  كثرُ في الآونة الاخيرة ورود هذا التّعبير في الصّحف، نشرات الأخبار والمواقع الإلكترونية :”لم يعد خافياً على أحد تشييع حزب الله لمقاتلين قضوا في سوريا منذ أيام، وقد شيّع الحزب  ..إلخ”، لا أدري    متى كان هذا خافياً أو مخفيّا أصلاً، فالحزب منذ اليوم الأول لإنخراطه في الصّراع الجاري على الأرض السّورية كان واضحاً في ذلك، “نحن لا نقاتل، بل ندافع”، فحتى وسائل الإعلام التي جعلت من هذا الخبرَ مادةً لهجومها على الحزب، لم تشر إلى أي هجومٍ قام به الحزب على أراضٍ سورية.

لست أبداً في معرض التّبرير أو الدّفاع عن تدخّل حزب الله في الصّراع السّوري، فالحزب أدرى بشعابه، لكن الهجمة الإعلامية الموجّهة تثير الإستغراب، ففي حين تغيب الإشارة إلى أي هجومٍ حزبيٍ على    الشّعب السّوري، يظهر واضحاً حجم التّدخل الخارجي لصالح المشروع الذي يمعن في سوريا دماراً، فيظهر الليبيّون، التّوانسة، المصريين، الخليجيّين وحتّى الإرهابيين من بلاد أفغانستان والقوقاز بشكلٍ يوميٍ متكررٍ على شاشات التّلفزة كلّها، طبعاً ما عدا الجزيرة والعربية في وقتٍ سابق، يصمت الإعلام والمثقّفون الدّاعمون لما يسمّى ثورةً سورية عن هؤلاء المسلّحين، يرفضون فكرة حتّى الإضاءة على إرهابهم وإجرامهم، يلصقون بالحرب الدّائرة في سوريا صفاتٍ كالثّورة، أي ثورةٍ تلك التي تقطع الرّؤوس، تبيح الأعراض وتشرّع الإغتصاب؟ لنسلّم وربما أغلبنا على يقينٍ أنّ النّظام السّوري جائرٌ وتغييره حقّ مقدّس تحت إسم الحرّية، لكن ما البديل؟ أيسقط النّظام أولاً ثم نُسقط جبهة النّصرة وأخواتها؟ كيف سنسقط من يرى فينا طريقَ عبورٍ إلى الجنة؟ ببيان إستنكارٍ وإضاءةِ شموع؟

       لقتال الحزب في سوريا عدّة تفسيرات تتنقّل بين العقائدي الدّيني والمحوري المقاوم، فعقائدياً، يبرّر الحزب كما المجموعات العراقية قتالهم في سوريا بواجب حماية المقامات الدّينية لا سيما مقام    السّيدة زينب في دمشق،  حيث يتولّى لواء أبا الفضل العبّاس الدّفاع عن المقام في وجه الهجمات المتكرّرة للجماعات التّكفيرّية، وهناك يتساقط المقاتلون بين قتيلٍ وجريح في صدّ الهجوم على المقام، خاصةً بعد تفجير هذه الجماعات لمقام الصّحابي حجر بن عدي، وإصابة قبّة مقام السّيدة رقية، حيث إستطاعت الجماعات التّكفيرّية أن تجرّ الطّائفة الشّيعية إلى حربٍ معها تحت مسمّى الدّفاع عن المقامات، وأيضاً، لم نسمع عن هجومٍ للواء أبي الفضل العبّاس، بل صدّ هجومٍ على المقامات، من هنا يأتي السّؤال، أين الجيش السّوري؟ هل تفجير الأضرحة الدّينية حرّيةٌ وثورة؟ السّبب الطّائفي ذاته هو ما دفع بأبناء القرى اللبنانية في الدّاخل السّوري، منطقة حمص – القصير إلى تشكيل وحدات وجيش الدّفاع الشّعبي، وكلمة الدّفاع، يبرّرها حمل إبن الرّابع عشرة سلاحاً في الليل، وحرثه أرضه في النّهار، ذنب أهالي هذه القرى الوحيد أنهم لبنانيون من طائفةٍ معينةٍ تقع قراهم على إمتداد خطّ إمداد المسلّحين بالسلاح، فبينما يدافع هؤلاء اللبنانيون عن رزقهم وأرضهم، أو من تبقى منهم في أرضه، تتعالى البيانات الإعلامية لتروّج لتدخل حزب الله في النّزاع السّوري، هذا كان قبل أن يصل الإعلام لا سيما جريدة “الأخبار” وتلفزيون “الجديد” إلى هذه القرى ويوضح من فيها وما يجري فيها، هؤلاء ليسوا مقاتلي حزب الله، بل أبناء المنطقة المنتمين إلى الحزب، هل سمع المثقّفون عن قرى زيتا، مطربة، الصفصافة، السغمانية، الفاروقية، العقربية، الفاضلية، حوش السيد علي، دبين، ناعم، حاويك، الحمام والجنطلية وسكّانها؟ هؤلاء لبنانيون تحت خطّ النّار.


ثاني التّبريرات، هو الدّفاع عن خط إمداد المقاومة العسكري، وهذا الكلام ليس منقولاً عن تلفزيون المنار أو الدّنيا، بل عن تصريحاتٍ لوزير الخارجية الأميركية وجنرالات في البنتاغون، فأحد الأهداف    من الحرب على سوريا وإستغلال حراك الشعب ودمه، هو كسر الفقرة الرّئيسية في العمود الفقري المقاوم، وقد نجحوا إلى حدٍ كبيرٍ في تدمير البنية التّحتية السّورية العسكرية والمعيشيّة، لكن ماذا عن خطوط الإمداد بالأسلحة؟ ما زالت الأسلحة تصل إلى المقاومة اللبنانية على الرّغم من كل شيء، من هنا يظهر الدّور الذي يلعبه مقاتلو الحزب على الحدود وطوال الخطّ المذكور، فعندما يخرج مسؤولٌ غربيٌ أو إسرائيليٌ للتصريح بأهمية كسر هذا الخط، او تدخل القنوات الإسرائيلية المتلفزة إلى سوريا ويستقبلها الجيش السّوري الحرّ، يطرح السّؤال عن مستقبل المقاومة نفسه خاصةً في حال نجاح راكبي الثّورة ومشروعهم، هل سيحاصر لبنان ومقاومته كما جرى مع غزّة أيام نظام مبارك؟ هل يكون هذا مقدّمة لعدوانٍ على لبنان يهدف للقضاء على المقاومة تحت غطاءٍ طائفي، وعبر كمّاشة تكفيريّة إسرائيلية؟ الجواب موجود عند من يدافع عن خط الإمداد بالسّلاح ويبقه مفتوحاً، فالدّفاع عن الأرض والحدود في ظل غياب وعجز واضح للجيش اللبناني، هو بمثابة درهم وقاية، خيرٌ من قنطار علاجٍ لاحقاً، من يحمي أهالي القصر والهرمل من صواريخ العصابات الإرهابية؟ الدّولة؟ أين هي في ظل النّأي بالنّفس يا ترى؟ ألم يسمع أحد تصريح أبي حفص الأدلبي عن إستعداده للسّلام مع إسرائيل؟

  

    من المؤلم أن يتساقط شبابٌ لبنانييون برصاصٍ سوري أو عربي أو لا أدري ماذا، لكن ليس حزب الله وحده من يدخل إلى سوريا مقاتلاً، فخليةُ تل كلخ اللبنانية ما زالت موجودة، والإعلام ذاته الذي    يهاجم تدخل الحزب، صمت عن خلية تل كلخ وكثر مثلها، شباب المقاومة الذين يتساقطون كزهر ربيعي في سوريا هم يقومون بواجبٍ وطني، فلبنان ليس معزولاً أو بمعزلٍ عن ما يجري في سوريا، وكي لا نكون، او نتفادى أن نكون الضّحية كما حصل مع الشّعب السّوري، يقوم هؤلاء الشّبان يالدّفاع عن أرضهم ومقاومتهم، مجدّداً بالدّفاع، لا الهجوم، وأتحدى أن يثبت أحدٌ العكس، موجعٌ أن نخسر مقاومين، لكن الوجع هو وجع أمهات سوريا ذاته، فالأبرياء السورييون يقضون كورقة مساومة على الطّاولة الرّوسية – الأميركية، فكما ساعد الشّعب السّوري النّازحين اللبنانيين إبان عدوان تمّوز، مساعدة الشّعب السّوري واجبٌ في إعادة امنه وتحصين بلده، ليختار بعدها النّظام الذي يريد، نظاماً يحفظ له حقّه في الحياة الحرّة والكريمة.

 

About these ads
تعليقات
  1. غير معروف قال:

    كبيييييير ابن العم

  2. roobal قال:

    تورط حزب الله في الحرب الدائرة في سوريا لم ينشأ فقط من احساسه بواجب الدفاع عن المقامات المقدسة او عن القرى الشيعية التي تتعرض للاعتداء او لحماية خطوط امداده اللوجستية التي تضمن فعالية وديمومة ترسانته العسكرية للمستقبل. بل يمكن القول ان حزب الله يخوض على الارض السورية، الى جانب الجيش واللجان الشعبية السورية، معركته او معركة الجبهة التي ينتمي اليها في مواجهة عدوها الاول ( جبهة اميركا واعرابها ) الذي لم يتوقف ولا للحظة عن محاولة الانقضاض عليها وتشتيتها وفك اواصر ربطها.
    حرب حزب الله في مواجهة اميركا لم تبدأ في شباط 2011، بل هي مندلعة منذ اول دخول للجيش الاميركي الى مناطق شمال افغانستان، مرورا باحتلال العراق، وصولا الى محاولات اميركا كسر أي من حلقات القوة التي تؤلف مجتمعة الجبهة التي تحاول منعها من السيطرة على الشرق الاوسط وفرض ارادتها ونموذجها على اهله. حزب الله خاض حربه الخاصة ضد الاميركي والبريطاني في شوارع بغداد وصحاري جنوب العراق، وهو عمم نموذجه وتكتيكاته في الواقع الميداني الافغاني والفلسطيني وشارك حتى في صنع بعض انتصاراتها، كما خاض حربه ضد الوكيل الاسرائيلي على ارضه اللبنانية، وسجل في كل هذه الميادين انتصارات لا يمكن ان تمحى حتى لو تمكن عدوه من تغفيلها ومحاولة طمس معالمها، وهو يخوض اليوم في سوريا، بغض النظر عن حجم تورطه فيها، معركة الدفاع عن نموذجه وتجربته الناجحة التي يرغب الاميركي في طمرها: تجربة المقاومة كحل وخيار وحيد في مواجهة محتلي الارض ومستعبدي الشعوب.
    حزب الله لا يساعد النظام السوري في مواجهة شعبه، حزب الله يساعد السوري الذي يقاتل نيابة عنه وعن تجربته.

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل الخروج / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل الخروج / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل الخروج / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل الخروج / تغيير )

Connecting to %s